Arraf
ليست مجرد تبرعات.. المسؤولية الاجتماعية سلاح لغزو الأسواق
في عالم مترابط على نحو غير مسبوق، لم يعد يكفي أن تحقق الشركات أرباحًا للمساهمين، بل بات مطلوبًا منها أن تترك أثرًا إيجابيًا في المجتمع. هنا تبرز المسؤولية الاجتماعية للشركات كعامل حاسم في معادلة البقاء والتنافس في القرن 21.
كتب مايكل شريبمان، رئيس ومؤسس شركتي «إيه بي إس جلوبال بارتنرز» و«ميدياس هيلث»، في مقال نشرته مجلة «فوربس»، أن المستهلكين والمستثمرين يطالبون اليوم بشفافية أكبر وسلوك أخلاقي أوضح، ما جعل المسؤولية الاجتماعية ضرورة إستراتيجية لا مجرد التزام شكلي.
من التزام إلى إستراتيجية
تشير المسؤولية الاجتماعية للشركات إلى التزامها بالعمل بشكل أخلاقي ومستدام، مع تحقيق توازن بين الأبعاد الاقتصادية والبيئية والاجتماعية. وهي تتجاوز الامتثال للقوانين، لتشمل مبادرات استباقية مثل خفض البصمة الكربونية، وضمان ممارسات عمل عادلة، ودعم المجتمعات المحلية، والاستثمار في المبادرات الخيرية.
في الولايات المتحدة، تلتزم الشركات بإرشادات هيئة الأوراق المالية والبورصات بشأن إفصاحات معايير ESG، بينما تتبع الشركات الكندية معايير الجهات التنظيمية المحلية. كما توفر أطر الاستدامة مثل GRI وISO أدوات لدمج الممارسات الأخلاقية ضمن الإستراتيجيات المؤسسية.
اليوم، أصبحت المسؤولية الاجتماعية جزءًا أساسيًا من إستراتيجية الأعمال، قادرة على تحفيز النمو، وتعزيز الابتكار، وترسيخ ولاء العلامة التجارية.
الناس والكوكب والربح
ترتكز المسؤولية الاجتماعية على ثلاثة أعمدة رئيسية تُعرف بـ«المحصلة الثلاثية»: الناس، الكوكب، والربح.

أولًا: الناس
تتحمل الشركات مسؤولية متزايدة تجاه موظفيها وعملائها والمجتمعات التي تعمل فيها، عبر تبني ممارسات عمل عادلة، وتعزيز التنوع والشمول، وتوفير بيئات عمل آمنة، والمشاركة في مبادرات مجتمعية.
وتُعد شركة «باتاغونيا» مثالًا بارزًا في الالتزام بالاستدامة البيئية والتجارة العادلة. كما يشير شريبمان إلى أن الشركات ذات البرامج القوية في المسؤولية الاجتماعية تسجل معدلات أعلى في رضا الموظفين وولاء العملاء.
ثانيًا: الكوكب
الاستدامة البيئية باتت محورًا رئيسيًا في الإستراتيجية المؤسسية. فعلى سبيل المثال، تهدف خطة «المعيشة المستدامة» لشركة «يونيليفر» إلى تقليل الأثر البيئي لمنتجاتها وتحسين رفاه أكثر من مليار شخص، ما يعكس كيف يمكن دمج الاستدامة في صميم العمليات التشغيلية.
ثالثًا: الربح
في جوهرها، ترتبط المسؤولية الاجتماعية بالحوكمة الأخلاقية، بما يشمل الشفافية المالية، والتسويق المسؤول، ومكافحة الفساد، والالتزام بمعايير حقوق الإنسان الدولية. ويؤكد الكاتب أن الشركات ذات الهياكل الإدارية القوية تتمتع بمخاطر أقل وأداء مالي أفضل على المدى الطويل.
مكاسب تتجاوز السمعة
لا تقتصر فوائد المسؤولية الاجتماعية على تحسين الصورة العامة. فالشركات التي تتبنى إستراتيجيات فعالة في هذا المجال تعزز سمعتها، وتزيد من ولاء العملاء، وترفع حصتها السوقية.
كما تسهم هذه الإستراتيجيات في جذب الكفاءات والاحتفاظ بها، إذ تشير تقارير «ديلويت» إلى أن أكثر من 40% من جيل الألفية والجيل زد رفضوا فرص عمل أو مهام بسبب اعتبارات أخلاقية.
إضافة إلى ذلك، تساعد المسؤولية الاجتماعية في إدارة المخاطر، ومواكبة التشريعات الجديدة، وتطوير منتجات مبتكرة، مثل مواد التغليف القابلة للتحلل استجابةً للطلب المتزايد على الاستدامة. وترى «ماكينزي آند كومباني» أن الشركات التي تتبنى ممارسات مستدامة غالبًا ما تحقق ميزة تنافسية.
كما أن المستثمرين باتوا يولون اهتمامًا أكبر لمعايير ESG، ما يفتح أمام الشركات ذات السجل القوي في المسؤولية الاجتماعية أبوابًا أوسع للوصول إلى رأس المال.
كيف تطبقها بفعالية؟
لتنفيذ إستراتيجية ناجحة للمسؤولية الاجتماعية، يقترح الكاتب خمس خطوات رئيسية:
تقييم توقعات أصحاب المصلحة
الاستماع للعملاء والموظفين والمستثمرين والمجتمعات عبر الاستبيانات وجلسات الحوار وتحليل اتجاهات السوق.
تحديد أهداف واضحة
وضع أهداف قابلة للقياس، مثل خفض الانبعاثات بنسبة محددة أو زيادة التنوع في المناصب القيادية.
إشراك القيادة والموظفين
يجب أن يبدأ الالتزام من أعلى الهرم الإداري، مع توفير التدريب والموارد للاحتفاء بالنجاحات.
التواصل بشفافية
نشر تقارير دورية عبر التقارير السنوية ووسائل التواصل والبيانات الصحفية لبناء الثقة.
التحسين المستمر
المسؤولية الاجتماعية عملية دائمة تتطلب مراجعة مستمرة وتطويرًا مستمرًا.
في نهاية المطاف وجب القول إنه في عالم أصبح فيه «فعل الخير» مرادفًا لـ«تحقيق أداء جيد»، تمثل المسؤولية الاجتماعية معادلة رابحة للجميع. فالشركات التي تدمج القيم الأخلاقية في إستراتيجياتها لا تسهم فقط في بناء عالم أفضل، بل تؤسس أيضًا لنجاح طويل الأمد في سوق يتغير بسرعة.
المصدر: فوربس
The post ليست مجرد تبرعات.. المسؤولية الاجتماعية سلاح لغزو الأسواق appeared first on مجلة رواد الأعمال.