الشركات الناشئة.. وهندسة الحروب الحديثة
تأثرت في مطلع حياتي المهنية بالعمل في الهيئة العربية للتصنيع، وتشرفت بتصميم أجزاء من مكونات الصواريخ، وبمرور الأعوام ازداد يقيني بأن الصورة التقليدية للحرب، والمتمثلة في الخنادق، والمشاة كثيفة العدد، وحروب الاستنزاف الحركية، صارت شيئًا من الماضي؛ إذ باتت الحروب الحديثة -رغم ضراوتها- تتميز بغلاف غير مرئي: غلاف رقمي وكهرومغناطيسي ومعرفي، أعاد هندسة العلوم المتقدمة والابتكار التكنولوجي المتسارع.
تحالف وزارات الدفاع ورواد الأعمال
لم يغير هذا التحول طريقة خوض الحروب فحسب، بل غير أيضًا هوية من يبني القدرات اللازمة لخوضها؛ حيث نشأ تحالف قوي بين وزارات الدفاع وفئة جديدة من الشركاء: الشركات الناشئة ورواد الأعمال المدعومين برأس المال الاستثماري.
ولطالما ناديت منذ أكثر من ربع قرن، أن الأولوية لللالتحاق بالحاضنات التكنولوجية في منطقتنا العربية، للمهتمين بالتكنولوجيا الفائقة والمتقدمة، وبالصناعات العسكرية.
سيادة المعلومات
وقد رأينا العام الحالي 2026، كيف يتحدد المشهد العسكري العالمي بالانتقال من هيمنة الأجهزة المادية إلى سيادة المعلومات؛ حيث لا يحسم المعركة لصالحه، الطرف الذي يمتلك أكبر عدد من الدبابات، بل من يمكنه تحليل البيانات واختراق الشبكات ونشر أنظمة الدفاع الذاتية بشكل أسرع.
إعادة الهندسة التكنولوجية للصراع
تُعد الحرب الحديثة مشروعًا متعدد المجالات، تلتقي فيه التخصصات الجوية والبرية والبحرية والفضائية والسيبرانية؛ عبر تكامل يستحيل تحقيقه بدون العلوم المتقدمة؛ وذلك من خلال:
1. الذكاء الاصطناعي “الوكيل” وصنع القرار التنبؤي:
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تشخيصية، بل أصبح “وكيلًا” فاعلًا؛ حيث تستخدم القيادات العسكرية الآن الذكاء الاصطناعي الوكيل Agentic AI؛ وهو ذكاء قادر على اتخاذ قرارات مستقلة ضمن معايير محددة؛ إذ يحلل كميات هائلة من صور الأقمار الصناعية واستخبارات الإشارات؛ للتنبؤ بتحركات العدو قبل حدوثها؛ وذلك بهدف تقليص زمن اتخاذ القرار إلى أجزاء من الثانية.
2. الاستقلالية والروبوتات:
كانت ثورة الطائرات المُسَيَّرة مجرد البداية؛ حيث تتميز ساحة المعركة الحديثة بأنظمة روبوتية مستقلة تمامًا في جميع المجالات؛ فـ “الذكاء الاصطناعي الفيزيائي” يُشغل الآن فصائل روبوتية يمكنها إجراء الاستطلاع أو الاشتباك مع الأهداف دون تدخل بشري في كل قرار صغير.
3. تكنولوجيا الكم والتشفير:
السباق نحو الهيمنة الكمومية هو حجر الزاوية في الأمن المستقبلي؛ فالحوسبة الكمومية تَعِد بكسر التشفير التقليدي، وتوفر قنوات اتصال غير قابلة للاختراق. وفي مجال الملاحة، توفر المستشعرات الكمومية بيانات دقيقة لتحديد المواقع في البيئات التي يتم فيها حجب نظام GPS.
دور رائد الأعمال
لقد سيطر كبار الصناعيين التقليديين على ابتكارات الدفاع لقرن من الزمان. ومع ذلك، فإن سرعة التغيير الحديثة اختارت نموذجًا تنظيميًا مختلفًا؛ وهو “الشركة الناشئة الرشيقة”؛ السمة المميزة لرائد تكنولوجي حديث؛ وهي صفة تفتقر إليها مؤسسات الدفاع الغارقة في البيروقراطية؛ فالشركات الناشئة تعمل في دورات تطوير قصيرة، وتتقبل الفشل السريع لتتعلم وتكرر تجاربها، كما أنها غير مقيدة بأنظمة قديمة متهالكة.
أمثلة واقعية لعمالقة الدفاع الجدد
انتقلت عدة شركات ناشئة من مرحلة “التجريب” إلى مرحلة “الضرورة القصوى” في الفترة ما بين 2024 و2026:
· أندوريل للصناعات Anduril Industries:
تُلقب بـ “الجد الأكبر للشركات الدفاعية الحديثة”؛ إذ بدأت مؤخرًا إنتاج طائرة Fury؛ وهي طائرة قتالية مُسيَّرة تعمل بالذكاء الاصطناعي وتعمل كـ “جناح موالٍ” للطائرات المأهولة.
فاز نهجها المعتمد على البرمجيات بجائزة ابتكار الصواريخ التكتيكية لعام 2026 بفضل دمج الهندسة الرقمية مع الإنتاج القابل للتوسع ومنخفض التكلفة.
· هيلسينج للذكاء الاصطناعي Helsing AI:
بطلة تكنولوجيا الدفاع في أوروبا، وقد ركزت على “الذكاء الاصطناعي السيادي”؛ إذ افتتحت في أواخر عام 2025، مصنعًا في المملكة المتحدة لبناء SG-1 Fathom؛ وهو غواص آلي مستقل يستخدم الذكاء الاصطناعي لصيد الغواصات وحماية البنية التحتية الحيوية تحت سطح البحر.
· شيلد للذكاء الاصطناعي Shield AI:
اشتهرت ببرنامج الطيار الآلي Hivemind. وقد نجحت هذه الشركة الناشئة في دمج برنامج الطيران المستقل الخاص بها في منصات متنوعة، من طائرات F-16 إلى طائرات أندوريل. وفي أوائل عام 2026، جمعت ملياري دولار لتوسيع نطاق “الطيار الآلي الذكي” لبرامج الطائرات القتالية التعاونية العالمية.
· إبيروس Epirus:
لمواجهة تهديد أسراب الطائرات المسيرة، طورت إبيروس نظام Leonidas؛ وهو نظام ميكروويف عالي الطاقة. وفي مارس 2026، كشفت عن نسخة مركبة أرضية ذاتية القيادة تستخدم التداخل الكهرومغناطيسي لتعطيل عشرات الطائرات المسيرة في وقت واحد دون إطلاق رصاصة واحدة.
ريادة الأعمال والجيوسياسة والابتكار
الاعتماد على رواد الأعمال حقيقة جيوسياسية، ففي عالم تتأثر فيه سلاسل الإمداد حاليًا، يرتبط أمن كل دولة ارتباطًا مباشرًا بقوة نظام الابتكار المحلي لديها.
وتعمل الحكومات على تحويل إنفاقها الدفاعي نحو هؤلاء الشركاء غير التقليديين من خلال مبادرات. مثل وحدة ابتكار الدفاع الأمريكية DIU. أو برنامج العمل الأمني لأوروبا SAFE. فهل دشنا- نحن العرب- مبادرات مشابهة. لنستفيد من شركاتنا الناشئة الوطنية. ودعمنا مشاريع التخرج وأبحاث الدكتوراه في هذه المجالات؟
التحالف الجديد
إن العلاقة بين العلم والتكنولوجيا وريادة الأعمال في الحروب الحديثة علاقة لا رجعة فيها. فالحرب في العصر الرقمي هي بمثابة تمرين عملي على إدارة البيانات والمعارك التكنولوجية. إذ تُخاض بالخوارزميات والسيليكون بقدر ما تُخاض بالصلب. لقد رفعت هذه العلاقة. رائد الأعمال من كونه مبادرًا فرديًا. إلى عنصر حيوي في منظومة الأمن الوطني.
حاضنات متخصصة في تكنولوجيا الدفاع
كذلك وفي ظل الصراع العالمي الذي يحتدم يومًا بعد يوم. لم يعد الاستثمار في أفكار وعقول أبنائنا المرتبطة بأمننا الوطني رفاهية. بل هناك ضرورة حتمية لتطوير حاضنات تكنولوجية متخصصة في تكنولوجيا الدفاع. فمستقبل الصراع يُكتب الآن في الحاضنات والمختبرات. ومساحات العمل المشتركة.
وأخيرًا لم يعد العامل الحاسم في الحروب الحديثة هو “القوة الصناعية”. بل “القدرة الابتكارية”، خاصة السرعة التي يمكن بها ترجمة الأبحاث العلمية. من خلال ريادة الأعمال. إلى تكنولوجيا تؤمِّن وتحمي أوطاننا.
The post الشركات الناشئة.. وهندسة الحروب الحديثة appeared first on مجلة رواد الأعمال.